المقداد السيوري
109
كنز العرفان في فقه القرآن
يقال تبوّأت له منزلا أي اتّخذته وأصله الرجوع من باء إذا رجع سمّي المنزل مباءة لكون صاحبه يرجع إليه إذا خرج والمراد أن اجعلا مصر دار إقامتكما وإقامة قومكما واجعلا فيها بيوتا أي مرا لهم بذلك كما يقال بنى السلطان مسجدا أي أمر ببنائه : « واجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً » أي مسجدا فأطلق اسم الجزء على الكلّ أي صلَّوا في بيوتكم ، أمروا بذلك لخوفهم من فرعون وقومه وفيه دلالة على جواز صلاة الإنسان في بيته إذا خاف من ظالم وغيره وإنّما ثنّى الضمير أوّلا لأنّ موسى وهارون كانا مقدّمين على قومهما والعادة جارية بتوجيه الخطاب إلى مقدّم القوم ليأمر قومه بالمأمور به وجمعه ثانيا لأنّ التكليف لم يختصّ بهما بل عمّ الجميع ووحّده ثالثا لأنّ المخبر بالبشارة لا يعمّ الجميع بل يختصّ بمن كان أقرب إلى اللَّه وكان موسى أقرب إلى اللَّه من غيره فاختصّ بذلك . الثالثة : « والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وكُفْراً وتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ الله ورَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ » ( 1 ) . سبب نزولها على ما روي أنّ بني عمرو بن عوف لمّا بنوا مسجد قبا ( 2 ) بعثوا
--> ( 1 ) التوبة : 108 و 109 . ( 2 ) هكذا نقله الطبرسي في مجمع البيان وعليه عامة أهل التفسير والحق أن ذلك ساقط من وجهين : ألف - أن مسجد قبا انما بناء النبي صلَّى اللَّه عليه وآله بيده الشريفة بعد قدومه في بني عمرو بن عوف بقباء عند مهاجرته من مكة إلى المدينة نص على ذلك أهل السير كلهم وذكر بعضهم أنّ رسول اللَّه كان أول من وضع حجرا في قبلته ثم أخذ الناس في البنيان راجع سيرة ابن هشام ج 1 ص 494 وفي بحار الأنوار ج 19 ص 104 - 132 من طبعة دار الكتب نصوص جمة في ذلك فراجعها . وذكر ذلك الطبرسي أيضا في مجمع البيان في تفسير سورة الجمعة ج 10 ص 286 . ب - أن الذين بنوا مسجدا ضرارا كانوا اثنى عشر رجلا كلهم من بنى عمرو بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء وأسماؤهم على ما أخرجه ابن هشام في السيرة ( ج 2 ص 530 ) والسيوطي في الدر المنثور عن ابن إسحاق : خدام بن خالد من بنى عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، وثعلبة بن حاطب ووديعة بن ثابت من بنى أمية بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس ، ومعتب بن قشير وأبو حبيبة بن الأزعر ونبتل بن الحارث وبخزج وبجاد بن عثمان وجارية بن عامر وأبناء مجمع وزيد من بنى ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بنى حبيش بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس . فكما ترى ليس في أولئك المنافقين الذين أسسوا مسجدا ضرارا أحد من بنى غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء كيف وقباء انما هو من منازل الأوس لا الخزرج . فالقصة ساقطة من الأصل والصحيح أن مسجد قباء كان على أساسه التقوى مختلف المؤمنين من بنى عمرو بن عوف إلى أن بنى المنافقون منهم في ناحية أخرى من قباء مسجدا آخر ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين . وجاؤا إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله عندما يتجهز إلى غزوة تبوك فاستدعوا أن يجيء إلى قباء ويفتتح المسجد فقال لهم رسول اللَّه إني على جناح سفر ولو قد قدمنا إن شاء اللَّه لاتيناكم فصلينا لكم فلما قفل من غزوة تبوك ونزل بذي أو ان أتاه خبر المسجد فدعا رسول اللَّه مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدا أو أخاه عاصم بن عدا أخا بني العجلان فقال : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه ، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك لمعن : أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ، ونزل فيهم من القرآن ما نزل . راجع سيرة ابن هشام ج 2 ص 529 و 530 . ( ب )